خليل الصفدي

188

أعيان العصر وأعوان النصر

أبهر وأنبل ، وجد للجدل حتى وافقه العميدي « 1 » على الخلاف ، ونسف حبال النسفي ، وما تلافاه أحد من التلاف ، وهذّب نفسه بالمعارف في التصوّف ، وذاب في خلواته من التشوق إلى حضرة القدس والتشوّف ، فلو رآه الشبلي « 2 » لقال « هذا الأسد » ، أو معروف « 3 » لأنكر نفسه ، وقال : « هذا الذي بلغ من الأشد الأشد » . هذا إلى صورة قد حسّنها الذي فطرها ، وشيبة بيّضها اللّه ونوّرها ، وأخلاق ليس للنسيم لطفها ، ولا للرياض نضرتها وظرفها ، أقام في القاهرة فملأها علما ، وجاء إلى دمشق فسرها حكما وحلما . ولم يزل فيها على حاله ، إلى أن غاض بحره العجاج ، وطفئ سراجه الوهاج . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بدمشق في الرابع عشر من ذي القعدة سنة تسع وعشرين وسبعمائة . ومولده سنة ثمان وستين وستمائة . ودفن بسفح قاسيون بتربة اشتريت له ، ومات بورم الدماغ ، بقي مريضا أحد عشر يوما ، وكانت جنازته حافلة ، وتأسّف الناس عليه : ( الكامل ) خرجوا به ، ولكلّ باك حوله * صعقات موسى يوم دكّ الطّور حتّى أتوا جدثا كأنّ ضريحه * في كلّ قلب موحّد محفور تبكي عليه ، وما استقرّ قراره * في اللّحد حتّى صافحته الحور وكان الشيخ علاء الدين - رحمه اللّه تعالى - قد قدم دمشق في أول سنة ثلاث وتسعين وستمائة ، فرتب صوفيا ، ثم إنه درس بالإقبالية ، ثم إنه توجّه إلى الديار المصرية ، وأقام بها ، وولي مشيخة سعيد السعداء ، وأقام ثلاثين سنة على قدم واحد ، إذا طلع الفجر ، خرج من مسكنه للصلاة بسكون ووقار ، وإذا فرغ منها أخذ في إشغال الطلبة في غير ما فن ، إلى أن يؤذن الظهر فيصلي ، ويأكل شيئا في بيته ، ثم إنه من الظهر إلى العصر يدور ، إما أن يزور أصحابه الأعزّة ، أو يتوجّه في شفاعة لأحد قصده ، أو يسلم على غائب أو يهنّئ ، أو يعزّي أو يعود مريضا ، إلى أن يتوجّه إلى وظيفة الخانقاه للذكر والعبادة ، هكذا أبدا لا يمرّ

--> ( 1 ) العميدي هو : محمد بن محمد بن محمد بن ركن الدين ، المتوفى في سنة 615 ه . ( انظر : الوافي بالوفيات : 1 / 280 ) . ( 2 ) الشبلي هو : دلف بن جحدر ، المتوفى في سنة 334 ه . ( انظر : سير أعلام النبلاء : 15 / 367 ) . ( 3 ) انظر : وفيات الأعيان : 5 / 231 .